التحليل: الأطر المفاهيمية لاقتصاد ما بعد النفط وأدوار الفاعلين المؤسسيين
يرتكز التحول نحو اقتصاد ما بعد النفط على إعادة صياغة الأدوار التنموية للفاعلين المؤسسيين وتجاوز مقولات الحتمية الريعية عبر تبني سياسات هيكلية موجهة نحو القطاعات الابتكارية والمعرفية الواعدة. تشير المقاربات النقدية لنظرية الدولة الريعية إلى أن اختزال التحديات الاقتصادية في مجرد "لعنة الموارد" يغفل الطبيعة المعقدة للترتيبات المؤسسية وتوازنات القوة القائمة؛ إذ يوضح عثمان (Usman, 2022) أن المعضلة التنموية الجوهرية لا تنبع بالضرورة من المورد النفطي بحد ذاته، بل تتجذر في التحديات المؤسسية والسياسية المتعلقة بتوزيع الموارد والسلطة، مما يفرض على النخب الحاكمة إعادة توجيه السياسات العامة نحو تعزيز الإنتاجية وتحفيز القطاعات غير النفطية وإصلاح أجهزة الخدمة المدنية لتحقيق تنويع اقتصادي مستدام وشامل يتجاوز الأنماط التقليدية والأنشطة المعيشية المحدودة. وفي هذا الإطار، تؤدي الدولة دورا محوريا بوصفها فاعلا تنمويا يقود التحول الهيكلي عبر استثمار الفوائض المالية في قطاعات تكنولوجية متقدمة ذات قيمة مضافة؛ حيث تبين الدراسات التطبيقية (2024) أن مسارات التنويع الاقتصادي في دولة الإمارات العربية المتحدة ترتكز على تطوير قطاع الفضاء وتفعيل الدبلوماسية الاقتصادية الدولية لتعزيز الصادرات غير النفطية وبناء اقتصاد معرفي متين يحد من مخاطر التبعية لعوائد النفط المتقلبة. يتكامل هذا المنظور مع مراجعة النماذج التفسيرية الكلاسيكية، إذ يبرهن التحليل النقدي (2014) على هشاشة السرديات الحتمية التي تربط وفرة الموارد بالتراجع الاقتصادي في منطقة الخليج العربي، مشددا على أن الكفاءة المؤسسية والخيارات الاستراتيجية الواعية لصناع القرار تمثل المحدد الحاسم في توجيه الموارد السيادية نحو التحول الإنتاجي المستدام بدلا من تكريس النمط الريعي.